فصل: باب من النفل الذي يكون للرجل في الشيء الخاص

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح السير الكبير **


  باب ما يجوز من النفل في السلاح وغيره

وإذا رأى أمير العسكر دروع المسلمين قليلة عند دخولهم دار الحرب فقال‏:‏ من دخل بدرع فله من النفل كذا أو فله به سهم كسهمه في الغنيمة‏.‏

فهذا جائز لا بأس به لأن هذا التنفيل يقع منه العدو فيجوز أن ينفل على ذلك لتحريضهم على تحمل هذه المؤنة لإرهاب العدو‏.‏

ألا ترى أن الشرع أوجب للغازي السهم لفرسه لهذا المعنى وهو أنه يحتمل المؤنة فيما يحصل به إرهاب العدو فللإمام أن يوجب ذلك بطريق النفل اعتباراً بما أوجبه الشرع‏.‏

وكذلك لو قال‏:‏ من دخل بدر عين فله كذا لأن المبارز قد يظاهر بين درعين إذا أراد القتال على ما روي أن النبي عليه السلام ظاهر بين درعين يوم أحد‏.‏

فكان هذا منه على وجه النظر والاجتهاد‏.‏

وإن قال‏:‏ من دخل بدرع ومن دخل بدرعين فله مائتان ومن دخل بثلاثة دروع فله ثلاث مائة‏.‏

وساق الكلام هكذا‏.‏

فليس ينبغي له أن ينفل هكذا ولا يجوز منه هذا التنفيل في أكثر من درعين لأن هذا لا يقع على وجه الاجتهاد والنظر والمقاتل لا يمكنه أن يلبس أكثر من درعين عند القتال لأن ذلك يثقل عليه ولا يمكنه أن يقاتل معه‏.‏

فعرفنا أنه ليس في التنفيل على أكثر من درعين منفعة‏.‏

فإن قيل‏:‏ معنى التزام المؤنة وإرهاب العدو يتحقق في الثالث والرابع والخامس‏.‏

قلنا‏:‏ ليس كذلك‏.‏

فإن الإرهاب بالدارع لا بالدرع يقال‏:‏ انفصل كذا وكذا دارع وكذا وكذا حارس‏.‏

فيحصل به الإرهاب‏.‏

والدارع هو وحده لأنه ما حمل الدروع مع نفسه ليعطيها غيره وإنما حمل للبس عند القتال‏.‏

وذلك لا يتأتى منه في أكثر من درعين‏.‏

وعلى هذا لو قال لأصحاب الخيل بتجفاف فله كذا‏.‏

فإن معنى التزام المؤنة وإرهاب العدو يحصل بالتجفاف للخيل كما يحصل بالدروع للفارس فيجوز أن ينفل على تجفاف وتجفافين‏.‏

ولا يجوز أكثر من ذلك لأن التجفاف للفرس فالتنفيل عليه بمنزلة التنفيل على الفرس‏.‏

ولو كن الأمير ممن لا يرى أن يسهم إلا لفرس واحد فقال‏:‏ من دخل بفرسين فله كذا كان ذلك تنفيلاً صحيحاً ولا يجوز أن ينفل على أكثر من فرسين لأن المبارز قد يقاتل بفرسين ولا يقاتل بأكثر منهما فإنما يجوز من تنفيله ما يكون فيه منفعة دون ما لا منفعة فيه‏.‏

إلا أن يكون أمراً معروفاً قد يحتاج الرجل فيه إلى ثلاثة أفراس‏.‏

فحينئذ يجوز تنفيله لثلاثة أفراس في ذلك‏.‏

وكذلك لثلاثة تجافيف لأنه يكون على كل فرس تجفاف ومتى علم أن تنفيله كان على وجه النظر يجب تنفيذه مما أصاب من الغنائم بعد التنفيل‏.‏

ولو لم يقل شيئاً لهم حتى حاصروا حصناً فقال‏:‏ من تقدم إلى الباب دارعاً فله كذا‏.‏

أو قال‏:‏ من تقدم متجففاً فله كذا أو قال‏:‏ من تقدم مظاهراً درعين فله كذا فلذلك تنفيل صحيح لأن فيه منفعة للمسلمين من حين إظهار الجلادة والقوة وإيقاع الرعب في قلوب المشركين والتنفيل على مثله يكون‏.‏

ولو لم يقل ذلك حتى فتحوا الحصن ثم أراد أن ينفل منه للدارع والمتجفف على قدر العناء فليس له أن ينفله لأن التنفيل ما يكون قبل الإحراز فأما بعد الإحراز فيكون صلة لا تنفيلاً وليس للإمام أن يخص بعض الغانمين بالصلة من الغنيمة بعدما ثبت حقهم فيها‏.‏

فإن نفل الإمام بعد الإحراز على قدر العناء والجزاء فكان ذلك من رأيه فهو نافذ لأنه أمضى باجتهاده فصلاً مختلفاً فيه فليس لأحد من القضاة أن يبطل ذلك‏.‏

ويحل للمنفل أن يأخذ ذلك وإن كان هو ممن لا يرى التنفيل بعد الإصابة لأن الرأي يسقط اعتباره إذا جاء الحكم بخلافه فإن قضاء القاضي ملزم غيره ومجرد الاجتهاد غير ملزم غيره وهو نظير ما لو قال لامرأته‏:‏ أنت طالق ألبتة‏.‏

ومن رأيه أن ذلك تطليقة بائنة فقضى القاضي بأنها تطليقة رجعية كما هو قول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما فإنه ينفذ قضاؤه ويسعه أن يقيم عليها ولكن هذا على قول محمد وأما على قول أبي يوسف‏:‏ فالمجتهد لا يدع رأيه إذا كان ذلك أشد عليه بقضاء القاضي بخلافه‏.‏

وقد بينا ذلك في شرح المختصر في آخر الاستحسان والله أعلم‏.‏

  باب ما يجوز من النفل بعد إصابة الغنيمة

ومن يجوز ذلك منه قال‏:‏ ولو أن سرية في دار الحرب أصابوا غنائم فعجزوا عن حملها إلى دار الإسلام وأراد الأمير إحراقها أو تركها ثم بدا له فقال للمسلمين‏:‏ من أخذ منها شيئاً فهو له فهذا جائز‏.‏

ومن تكلف منهم فأخرج شيئاً فهو له ولا خمس فيه لأن هذا تنفيل وقع على وجه النظر وإنما كرهنا التنفيل بعد الإصابة لما فيه من إبطال حق بعض الغانمين بعدما ثبت حقهم في المصاب‏.‏

والإبطال إنما يكون عند التمكن من الحفظ وتأكيد حقهم بالإخراج‏.‏

فأما بعد تحقق العجز عن ذلك فهذا لا يكون إبطالاً لحق أحد‏.‏

يوضحه‏:‏ أن له إحراق الجمادات منها وذبح الحيوانات ثم الإحراق أو تركها في مضيعة‏.‏

وفي ذلك إبطال حق الكل‏.‏

فمن ضرورة جواز ذلك جواز إبطال حق البعض بتخصيص البعض بطريق التنفيل‏.‏

ولأن في الإحراق إبطال حق لا منفعة فيه لأحد من المسلمين وفي التنفيل توفير المنفعة على بعضهم‏.‏

فكان الميل إلى هذا الجانب أولى‏.‏

فأما إذا كان قادراً على الإخراج أو البيع أو البيع أو القسمة فهو متمكن من إيصال المنفعة إلى جماعتهم‏.‏

فلا ينبغي له أن يبطل حق بعضهم‏.‏

وكذلك لو قال عند العجز‏:‏ من أخذ شيئاً فهو له بعد الخمس أو قال‏:‏ فله نصف ما أخذ قبل الخمس أو بعده فلذلك كله صحيح‏.‏

ينبغي له أن يفعل من ذلك ما يكون أقرب إلى النظر ثم القسمة بعد الإخراج على ما أوجبه الأمير بالتنفيل‏.‏

وإن أحد وجد منهم شيئاً كان المسلمون يقدرون على إخراجه ولم يكن للإمام علم به من جوهر أو غير ذلك فإن هذا يخمس الباقي بينهم على سهام الغنيمة لأن صحة هذا التنفيل لضرورة العجز عن الإحراز‏.‏

والثابت بالضرورة لا يعدو مواضعها فلا يتناول هذا التنفيل ما لم يتحقق فيه الضرورة‏.‏

وإذا ثبت هذا الحكم فيما أخذوا من أموالهم ثبت فيما لم يأخذوه بطريق الأول حتى إذا مروا ببناء من بنائهم فيه السلاح والرخام وماء الذهب ولم يقدروا على أخذه وإخراجه فقال الأمير‏:‏ من أخذ منه شيئاً فهو له‏.‏

فذلك صحيح‏.‏

ومن خرب شيئاً من ذلك وأخرجه اختص به‏.‏

لأنهم وإن كانوا قادرين على هدمه فقد كانوا عاجزين عن إخراجه ولهم أن يتركوه فيصح تنفيل أميرهم في ذلك أيضاً ويستوي إن كان ذلك مما يقدر على حمله بعد الهدم أو لا يقدر عليه لأن التنفيل من الأمير قبل الهدم وإنما صار بحيث يقدر على حمله بعد الهدم أو لا يقدر عليه لأن التنفيل من الأمير قبل الهدم وإنما صار بحيث يقدر على حمله بما أحدث فيه من الهدم بعد تنفيل الإمام‏.‏

إلا أن يكون شيئاً من ذلك موضوعاً نائياً عن البناء يقدرون على إخراجه حين نفل الإمام ولم يعلم به فإن ذلك يقسم بين الجماعة وإن أخرجه واحد منهم لأن التنفيل لم يتناوله‏.‏

ولو أن الأمير لم ينفل أحداً ولكنه أمرهم بإحراق ذلك فتكلف بعضهم إخراجها على دوابهم إلى دار الإسلام فذلك يخمس ويقسم بين جميع السرية‏.‏

لأن تخصيص البعض بتنفيل الإمام ولم يوجد إنما الموجود الأمر بالإحراق ولا تأثير له في تخصيص بعضهم بشيء وأدنى الدرجات أن الذي أخرج أحيا بفعله ما كان مشرفاً على الهلاك مما كان مشتركاً بينه وبين غيره فلا يكون ذلك سبباً لقطع الشركة وتخصيصه به‏.‏

ولو قسم ما أصاب في أرض الحرب أو باعه من التجار أو أخرجه إلى دار الإسلام فلحقهم العدو وابتلوا بالهرب فينبغي أن يحرقوا ذلك بالنار لينقطع منفعة العدو عنه‏.‏

فإن في ذلك معنى الكبت لهم وإن كان يجوز للغزاة أن يفعلوا ذلك بما ثقل عليهم من متاعهم وسلاحهم في دار الحرب لئلا ينتفع به العدو كما فعله جعفر فإنه حين أيس من نفسه عقر فرسه‏.‏

فلأن يجوز ذلك فيما أخذوا من أمتعة أهل الحرب كان أولى‏.‏

فإن نبذوا ذلك ليحرقوه فقال الأمير‏:‏ من أخذ شيئاً فهو له فأخذ ذلك قوم وأخرجوه من المهلكة فذلك كله مردود إلى أهله لأنه بالقسمة والبيع قد تعين الملك فيه‏.‏

وليس للإمام ولاية التنفيل في أملاك الناس بحال‏.‏

وكذلك بالإخراج إلى دار الإسلام وقد تأكد الحق فيه لهم على وجه يورث عنهم فلا يبقى للإمام فيه ولاية التنفيل أصلاً‏.‏

بخلاف ما قبل الإحراز‏.‏

فالثابت هناك حق ضعيف ثبت بالإحراز بالدار فالحق قد يتأكد بتمام السبب بالإحراز بالدار فلا يبطل ذلك بالإلقاء للإحراق‏.‏

فلا يكون للإمام فيه ولاية التنفيل وهذا بعد القسمة‏.‏

والبيع أظهر لأن الملك قد تعين فيه‏.‏

ألا ترى أنهم لو طرحوا ذلك في دار الحرب فلم يقطن بها أهل الحرب حتى دخلت سرية أخرى فأخرجوها وأخذها أهل الحرب التي لم تؤخذ منهم‏.‏

ولو طرحوها للإحراق بعد القسمة والبيع ثم تركوها مخافة العدو ولم يعلم بها المشركون حتى جاءت سرية أخرى فأخذوها وأخرجوها فهي مردودة على الملاك لبقاء ملكهم فيها‏.‏

وإن أخذها المشركون ثم استنفذها من أيديهم سرية أخرى فإن وجدها الملاك قبل القسمة أخذوها بغير شيء‏.‏

وإن وجدوها بعد القسمة أخذوها بالقيمة بمنزلة سائر أموالهم إذا أصابها أهل الحرب وأحرزوها وكذلك بعد الإحراز بدار الإسلام‏.‏

وإن طرحوها ثم جاءت سرية أخرى فأخذوها ولم يعلم بها أهل الحرب فهي مردودة على السرية الأولى لتأكد حقهم فيها وإن أحرزها أهل الحرب ثم أخذها منهم سرية أخرى فإن وجدها السرية الأولى قبل القسمة أخذوها بغير شيء وإن وجدوها بعد القسمة فلا سبيل لهم عليها‏.‏

وهذه هي الرواية الثانية التي بينا أنها أصح في هذه المسألة لأنهم لو أخذوها بالقيمة وحقهم قبل القسمة في المالية‏.‏

إذ لا ملك لأحد في العين ولهذا كان للإمام أن يبيعها ويقسم الثمن فلا يكون الأخذ بالقيمة مفيداً لهم شيئاً وإنما ثبت لهم حق الأخذ إذا كان مفيداً‏.‏

ولو أن المشترين أو الذين وقع ذلك في سهامهم‏.‏

أو الذين رموا بمتاعهم قالوا حين رموا به‏:‏ من أخذ شيئاً فهو له‏.‏

فأخذ ذلك قوم من المسلمين فهو لهم أخرجوه أو لم يخرجوه لأن هذا هبة من الملاك للآخذين‏.‏

وقد تمت الهبة بقبضهم‏.‏

فإن أرادوا الرجوع فيه فلهم ذلك قبل أن يخرجه الآخذون إلى دار الإسلام كما هو الحكم في الهبة‏.‏

وإن أخرجوه أو بلغوه موضعاً يقدر فيه على حمله لم يكن لهم أن يرجعوا فيه لأنه حدث فيه زيادة بصنع الموهوب له‏.‏

فإنه كان مشرفاً على الهلاك في مضيعة وقد أحياه بالإخراج من ذلك الموضع فالزيادة في عين الموهوب تمنع الواهب من الرجوع ولكن هذا الحكم فيما إذا أخذه من سمع مقالة المالك منه أو ممن بلغه فأما من لم يسمع ذلك أصلاً إذا أخذ شيئاً فأخرجه كان عليه أن يرده إلى مالكه لأن من علم بمقالته فإنما أخذه على وجه الهبة‏.‏

فيكون ذلك قبضاً متمماً للهبة ومن لم يعلم ذلك فهو إنما أخذه لا على وجه الهبة بل على وجه الإعانة لمالكه في الرد عليه‏.‏

فلا يثبت الملك له بهذا الأخذ‏.‏

فإن قيل‏:‏ هذا إيجاب لمجهول فكيف يصح بطريق الهبة قلنا‏:‏ لأن هذه جهالة لا تقضي إلى المنازعة‏.‏

فالملك إنما يثبت عند الأخذ وعند ذلك الأخذ متعين معلوم وكان الملك بهذا اللفظ أباح أخذه على وجه الهبة منه وهذه الإباحة تثبت مع الجهالة‏.‏

أصله‏:‏ ما رواه عبد الله بن قرط الثمالي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ أفضل الأيام يوم النحر‏.‏

ثم يوم القر ‏"‏ يعني الثاني من أيام النحر لأن الحاج يقون فيه بمنى‏.‏

قال‏:‏ وقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات خمساً أو ستاً فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ فملا وجبت جنوبها قال كلمة لا أفهمها‏.‏

فسألت بعض من يليه‏:‏ ماذا قال رسول الله فقال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من شاء اقتطع ‏"‏‏.‏

فهذه إباحة الأخذ على وجه التمليك والانتفاع بالمأخوذ أوجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الجهالة‏.‏

فما يكون من هذا الجنس يتعدى إليه حكم هذا النص‏.‏

يقرره أن مجرد الإلقاء بغير كلام يفيد هذا الحكم‏.‏

فإن الإنسان ينثر السكر والدراهم في العرس وغيره وكل من أخذ شيئاً من ذلك يصير مملوكاً له ويجوز له أن ينتفع به من غير أن يتكلم الناثر بشيء‏.‏

وقيل‏:‏ بأن الحال دليل على الإذن في الأخذ فإذا وجد التصريح بالإذن في الأخذ فلأن يثبت هذا الحكم كان أولى‏.‏

وعلى هذا لو وضع الإنسان الماء والحمد على داره فإنه يباح الشرب منه لكل من مر به من غني أو فقير لوجود الإذن دلالة‏.‏

وإذا غرس شجرة في موضع لا ملك فيه لأحد وأباح للناس الإصابة من ثمارها فإنه يجوز لكل من مر بها أن يأخذ من ثمارها فيتناوله‏.‏

وكل ذلك مأخوذ من الحديث الذي روينا‏.‏

ولو أن الأمير بعد انهزام المشركين نظر إلى قتلى منهم عليهم أسلابهم وهو لا يدري من قتلهم فقال‏:‏ من أخذ سلب قتيل فهو له‏.‏

فأخذها قوم فلذلك لهم نفل لأن المسلمين لم يأخذوها فيكون هذا في معنى التنفيل قبل الإصابة والأصح أن نقول‏:‏ هذا تنفيل بعد الإصابة‏.‏

ولكن الإمام أمضاه باجتهاده والمختلف فيه بإمضاء الإمام باجتهاده يصير كالمتفق عليه حتى إذا مات أو عزل وولي غيره لم يسترد من الآخرين شيئاً من ذلك‏.‏

وإن لم يأخذوا حتى عزل الأول وجاء أمير آخر ثم أخذوا ذلك قبل أن يعلموا بعزله أو بعد ذلك فإن الثاني يأخذ كله منهم فيرده في الغنيمة لأن التنفيل الأول قد بطل بعزله قبل حصول المقصود فالمقصود هو الأخذ فإذا بطل تنفيله قبل حصول هذا المقصود صار كأن لم يكن وقد تقدم نظيره فيما إذا نفل قبل الإحراز ثم مات أو عزل قبل الإصابة واستعمل غيره فإنه يبطل حكم ذلك التنفيل‏.‏

ففي التنفيل بعد الإصابة هذا أولى‏.‏

وهو بمنزلة قضاء لم ينفذه قاض حتى عزل واستقضى غيره ممن يرى خلاف ذلك ثم فرع على الأصل الذي بينا أن التنفيل عند حضرة القتال يكون على ذلك القتال خاصة وعند دخول دار الحرب قبل أن يلقوا قتالاً يكون باقياً إلى أن يخرجوا إلى دار الإسلام‏.‏

يقول‏:‏ فإن خرجوا إلى دار الإسلام ثم قفلوا إلى دار الحرب فقتل رجل قتيلاً من المشركين فلا سلب له لأن حكم ذلك التنفيل قد انتهى بخروجهم إلى دار الإسلام وهذه دخلة أخرى فإن لم يجدد الإمام تنفيلاً غيرها ثم يكن للقاتل السلب‏.‏

ألا ترى أنهم لو أقاموا سنة ثم رجعوا لم يكن للقاتل السلب بالتنفيل الأول ولو بلغهم أن العدو دخلوا دار الإسلام فخرجوا يريدونهم فقال الأمير‏:‏ من قتل قتيلاً فله سلبه‏.‏

فهذا على ما أصابوا في وجههم ذلك في دار الإسلام ودار الحرب إلى أن يرجعوا إلى منازلهم‏.‏

وإن لقوا العدو في دار الإسلام ثم قال الأمير ذلك فهذا على ذلك القتال خاصة‏.‏

لما بينا أن المطلق من الكلام يتقيد بما هو الغالب من دلالة الحال في كل فصل‏.‏

ولو أن الأمير بعث في دار الحرب سرية إلى حصن وقال‏:‏ ما أصبتم منه فلكم الربع من ذلك فأقاموا عليهم أياماً يقاتلون ثم لحقهم العسكر فقاتلوا معهم حتى فتحوا الحصن فلا نفل للأولين لأنه إنما أوجب لهم النفل فيما يصيبون من قتالهم دون من بقي من العسكر‏.‏

والمقصود كان تحريضهم على فتح الحصن والإصابة‏.‏

ولم يحصل ذلك بهم‏.‏

ألا ترى أن العسكر لو فتحوا الحصن دون أهل السرية لم يكن لأهل السرية من النفل شيء وإن كان الفتح بمحضر منهم فكذلك إذا كان الفتح بقتال جميع أهل العسكر‏.‏

قال‏:‏ ولو بعث الإمام سرية من دار الإسلام وعليهم أميرهم ثم عزل أميرهم وبعث أميراً آخر‏.‏

وقد نفل الأول قوماً نفلاً فأخذوه فإن كانوا أخذوا ذلك قبل علمه بعزله فذلك سالم لهم وكذلك إن كان ابتداء التنفيل منه قبل أن يعلم بالعزل لأنه أمير ما لم يعلم بعزله أو يأتيه من هو صارفه ويخبره بعزله‏.‏

فأما إذا نفل الأول بعدما جاء الثاني وأخبره بعزله فتنفيله باطل لأنه التحق بسائر الرعايا‏.‏

وإن جاءه الكتاب بأن الإمام قد بعث فلاناً أميراً على السرية فما لم يقدم عليه فلان فهو أمير على حاله يجوز تنفيله‏.‏

ألا ترى أنه لو كان أمير مصر كان له أن يصلي الجمعة إلى أن يقدم صارفه‏.‏

وهذا لأنه لا يجوز ترك المسلمين سدى ليس عليهم من يدبر أمورهم في دار الإسلام ولا في دار الحرب‏.‏

فما لم يقدم الثاني كان التدبير إلى الأول فيصح منه التنفيل إلا أن يكون الإمام كتب إليه‏:‏ إنا قد عزلناك واستعملنا فلاناً أو لم يذكر هذه الزيادة فحينئذ يصير هو معزولاً لا يجوز تنفيله بعد ذلك لأنه صار أميراً بخطاب الأمير إياه عند التقليد فيصير معزولاً بخطابه إياه بالعزل والخطاب ممن نأى كالخطاب ممن دنا‏.‏

ولو كان الأمير الأول حين استعمل أمر بأن يدخل بالقوم أرض الحرب فلم يدخل بهم حتى جاءه كتاب الإمام‏:‏ إنا قد أمرنا فلاناً فلا يبرح حتى يأتيك‏.‏

فعجل فدخل بهم أرض الحرب ونفل لهم نفلاً فذلك باطل لأن نهي الإمام إياه عن دخول أرض الحرب قد وصل إليه بكتابه فصار كما لو واجهه به‏.‏

ولو واجهه بذلك فدخل بهم دار الحرب بغير أمره ولم يكن أميراً فلا يجوز تنفيله‏.‏

ولو كان الكتاب أتاه‏:‏ إنك الأمير فادخل بهم فإذا أدركك فلان فهو الأمير دونك فجميع ما صنع الأول من النفل جائز حتى يلقاه الأمير الآخر لأنه علق عزله بالتقائه مع الثاني فما لم يلتقيا فهو الأمير على حاله‏.‏

وبعدما التقيا صار الأمير هو الثاني إن نفل جاز تنفيله دون الأول‏.‏

ولو كتب إليه‏:‏ أنت الأمر حتى يلقاك فلان فهذا والأول سواء لأنه جعل لولايته غاية ومن حكم الغاية أن يكون ما بعده بخلاف ما قبله‏.‏

ويستوي إن كان قلده قبل هذا مطلقاً أو لم يقلده لأن بعد التقليد مطلقاً له ولاية العزل فله ولاية التوقيت في ذلك التقليد أيضاً‏.‏

وإذا ثبت التوقيت بهذا الكتاب صار كأنه هو صرح بقوله‏:‏ فإذا أتاك فلان فهو الأمير دونك‏.‏

ولو أن قوماً من المسلمين لهم منعة أمروا أميراً ودخلوا دار الحرب مغيرين بغير إذن الإمام فأصابوا غنائم خمس ما أصابوا وكان ما بقي بينهم على سهام الغنيمة لأنه باعتبار منعتهم يكون المال مأخوذاً على وجه إعزاز الدين فيكون حكمه حكم الغنيمة‏.‏

فإن نفل أميرهم فذلك جائز منه على الوجه الذي كان يجوز من أمير سرية قلده الإمام وبعثه لأنهم رضوا به أميراً عليهم ورضاهم معتبر في حقهم فصار أميرهم باتفاقهم عليه‏.‏

ألا ترى أن الإمامة العظمى كما تثبت باستخلاف الإمام الأعظم تثبت باجتماع المسلمين على واحد والأصل فيه إمامة الصديق رضي الله عنه فكذلك الإمارة على أهل السرية تثبت باتفاقهم كما تثبت بتقليد الإمام‏.‏

ألا ترى أن أهل البغي لو أمروا عليهم أميراً ودخلوا دار الحرب فنفل أميرهم شيئاً ثم تابوا جاز ما نفله أميرهم باعتبار المعنى الذي ذكرنا‏.‏

ولو أن الخليفة غزا بجند فمات في دار الحرب أو قتل فقالت طائفة من الجند‏:‏ نؤمر فلاناً فأمروه واعتزلوا‏.‏

وقالت طائفة أخرى‏:‏ نؤمر فلاناً فأمروه واعتزلوا فأخذت كل طائفة وجهاً في أرض العدو فأصابوا غنائم ونفل كل أمير نفلاً لقومه قبل الخمس أو بعد الخمس ثم التقوا في أرض الحرب واصطلحوا فالخليفة الذي قام مقام الأول ينفذ تنفيل كل أمير‏.‏

باعتبار أن قومه قد رضوا به أميراً عليهم وهم الذين أصابوا ما أصابوا من الغنيمة‏.‏

فيجوز تنفيل كل أمير سواء التقوا في دار الحرب أو بعد ما خرجوا إلى دار الإسلام إلا أنهم إذا التقوا في دار الحرب فما بقي بعد النفل يقسم بين الفريقين على سهام الغنيمة لا هم اشتركوا في الإحراز‏.‏

ولو بعث الخليفة عاملاً على الثغور ولم يذكر له النفل بشيء‏.‏

فله أن ينفل قبل الخمس وبعد الخمس لأنه إنما استعمل على الثغور ليحفظها ويغزو أهل الحرب حتى ينقطع طمعهم عنها والنفل من أمر الحرب فإنه تحريض على القتال فمن ضرورة تفويض أمر الحرب إليه وجعل التدبير في ذلك إلى رأيه أن يكون أمر التنفيل مفوضاً إليه‏.‏

إلا أن ينهاه الخليفة عن النفل فحينئذ لا يجوز له أن ينفل لأن الدلالة يسقط اعتبارها إذا جاء التصريح بخلافها بمنزلة تقديم المائدة بني يدي الإنسان فإنه أذن في التناول دلالة إلا أن ينهاه عن ذلك‏.‏

فإن استعمل هذا العامل عاملاً آخر فنفل الثاني فإن كان الخليفة لم ينه الأول عن التنفيل جاز التنفيل من الثاني‏.‏

وإن كن نهى الأول عن ذلك لم يجز التنفيل من الثاني لأنه عامل للعامل الأول فيقوم مقام الأول‏.‏

ألا ترى أن القاضي إذا استخلف وقد نهى عن القضاء في الحدود لم يكن لخليفته أن يقضي فيها وإن لم ينه عن ذلك كان لخليفته أن يقضي فيها فكذلك فيما سبق‏.‏

ولو أن هذا العامل بعث سرية من الثغور وأمر عليهم أميراً فنفل أميرهم في دار الحرب للسرية سلب القتلى فذلك جائز منه كما يجوز من العامل لو غزا بنفسه لأنه فوض إليه أمر الحرب وجعله نافذ الأمر على أهل السرية‏.‏

وإنما بعثهم من دار الإسلام فكان أميرهم كأمير العسكر‏.‏

وتنفيل أمير العسكر جائز وإن لم يؤمر به نصاً لأن الحق في المصاب لمن تجب ولايته خاصة فكذلك تنفيل أمير السرية‏.‏

ولو نهاه العامل أن ينفل أحداً شيئاً فنفل لم يجز تنفيله لأن من قلده صرح بالنهي عن التنفيل فيكون حاله في التنفيل كحال العامل إذا نهاه الخليفة عن التنفيل ولأنه ليس بأمير عليهم فيما لم يوله العامل فكان تنفيله كتنفيل سائر الرعايا‏.‏

ويستوي إن رضي الجند بذلك أو لم يرضوا‏.‏

وكان ينبغي أن يجوز تنفيله إذا رضوا به كما تثبت الإمارة له عليهم بعد موت أميرهم إذا رضوا به‏.‏

ولكن الفرق بينها أن هناك رضاهم لم يحصل على مخالفة أمر العامل بل حصل فيما لم يأمر العامل فيه بشيء فكان معتبراً‏.‏

وهاهنا حصل رضاهم على مخالفة ما أمر به العامل فلا يكون معتبراً‏.‏

كما لو أرادوا عزل أميرهم وتقليد غيره‏.‏

فإن نفل أميرهم ثم لم يقسموا الغنائم حتى أخرجوها وأخبر أميرهم العامل بما نفل فرأى أن يجيز ذلك فليس ينبغي له أن يفعله لأن إجازته بمنزلة تنفيله بعد الإصابة‏.‏

فإن أجاز ذلك جاز النفل وحل لمن أصابه أن يأخذ ما أصاب لأن هذا حكم من جهته في فصل مجتهد فيه وهو التنفيل بعد الإصابة فيكون نافذاً‏.‏

فإن قيل‏:‏ أصل التنفيل كان باطلاً وإجازة ما كان باطلاً يلغو وإن حصل ممن يملك الإنشاء كمما لو طلق رجل امرأة الصبي ثم بلغ الصبي فأجاز ذلك كانت إجازته لغواً وإن كان هو يملك إنشاء الطلاق الآن وعن هذا الكلام جوابان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن هناك أصل الإيقاع لم يكن موقوفاً لأنه لا مجيز له عند ذلك وهاهنا أصل التنفيل حين وقع كان موقوفاً حتى لو أجازه العامل قبل أن يصيبوا الغنايم كان صحيحاً‏.‏

فإن أراد أن يجيزه بعد الإصابة قلنا بأنه يجوز أيضاً‏.‏

والثاني‏:‏ أن إجازته هاهنا إنما تتم بالتسليم إلى من نفل له الأمير فيجعل هذا التسليم بمنزلة الإنشاء لا قوله أجزت ووزانه من الطلاق أن لو قال الصبي بعد البلوغ‏:‏ جعلت ذلك تطليقة واقعة فإنه يجعل ذلك إنشاء للطلاق منه وأوضح هذا لمن اشترى شيئاً إلى العطاء فإن الشراء فاسد فإن رأى القاضي أن يجيز هذا البيع حين خوصم فيه إليه نفذ البيع بإجازته وحل للمشتري إمساكه وإن كان أصل البيع فاسداً عندنا‏.‏

ولو كان العامل دخل دار الحرب مع العسكر ثم بعث سرية ولم يأمر أميرهم بالتنفيل ولم ينهه عن ذلك فنفل أصحاب السرية نفلاً ثم جاءوا بالغنيمة إلى العسكر فإن تنفيل أمير السرية يجوز في نصيب أصحاب السرية خاصة لأن الجيش شركاء أصحاب السرية في المصاب هنا وليس لأمير السرية ولاية على الجيش إنما ولايته على أهل السرية خاصة فيجوز تنفيله في نصيبهم خاصة‏.‏

وإن كان العامل حين بعثهم نفل لهم نفلاً ثم نفل أميرهم أيضاً نفلاً فجاءوا بالغنائم فما نفل لهم العامل يرفع مزن رأس الغنيمة ويقسم ما بقي حين تبين حصة أصحاب السرية ثم ينفذ ما نفل أمير السرية من حصتهم من الغنيمة ومما نفل هلم العامل لأن ذلك كله لهم خاصة ولأميرهم ولاية عليهم فينفذ تنفيله فيما لهم خاصة‏.‏

بخلاف الأول فهناك السرية مبعوثة من دار الإسلام ولا شركة لغيرهم معهم في المصاب حتى لو أن هذه السرية لم ترجع إلى العسكر ولكنهم خرجوا إلى دار الإسلام من جانب آخر فإنه يكون الحكم كالحكم في السرية المبعوثة من دار الإسلام لأنه لا شريك لهم في المصاب‏.‏

وفي الوجهين لو أصابوا طعاماً كان لهم أن يأكلوا من ذلك ما أحبوا‏.‏

ألا ترى أنهم بعدما رجعوا إلى العسكر يباح لهم التناول من الطعام كما يباح لأهل العسكر وفي إباحة تناول الطعام المصاب كالباقي على أصل الإباحة بخلاف حكم التنفيل‏.‏

ولو أنهم أصابوا غنماً أو بقراً أو رمكاً فاستأجر الأمير من يسوقها إلى العسكر فذلك جائز في حق أصحاب السرية وحق أهل العسكر لأنه نظر لهم فيما صنع ومنفعة فعله يرجع إليهم جميعاً بخلاف النفل فالمنفعة فيه للمنفلين خاصة فلهذا لا يجوز تنفيله في حصة أهل العسكر‏.‏

ولو أن العامل كان نفلهم الربع ثم نفلهم أميرهم حين لقوا العدو على وجه الاجتهاد منه ثم لم يرجعوا إلى العسكر حتى رجعوا إلى دار الإسلام فإن نفل العامل لهم باطل ونفل أميرهم لهم جائز لأنهم حين خرجوا إلى دار الإسلام قبل أن يلقوا العسكر منهم في المصاب بمنزلة السرية المبعوثة من دار الإسلام وإنما نفل العامل لجماعتهم بالسرية وهذا التنفيل باطل على ما ورد به الأثر ولا نفل للسرية الأولى‏.‏

فأما نفل أميرهم لهم فحصل على وجه الاجتهاد لبعض الخواص فيكون ذلك صحيحاً لاختصاصهم بالحق في المصاب‏.‏

وإن رجعوا إلى العسكر جاز نفل العامل لهم لأن العسكر شركاؤهم في المصاب فكان في هذا التنفيل إبطال شركة العسكر معهم فيصح وإن كان يتعدى إلى إبطال الخمس وتفضيل الفارس على الراجل‏.‏

وأما نفل أميرهم فإنما يجوز فيما هو حقهم خاصة دون ما يكون حصة أهل العسكر على ما بينا وإن كان العامل نهى أمير السرية عن التنفيل فنفله باطل لنهي العامل إياه عن ذلك‏.‏

ونفل الإمام لهم جائز إن رجعوا إلى العسكر‏.‏

وإن خرجوا من جانب آخر إلى دار الإسلام فذلك أيضاً باطل ويخمس جميع ما أصابوا والباقي بينهم على سهام الغنيمة لأن الحق في المصاب لهم خاصة‏.‏

فليس في هذا التنفيل إلا إبطال الخمس وتفضيل الفارس على الراجل وذلك باطل‏.‏

والله أعلم‏.‏

  باب من النفل الذي يكون للرجل في الشيء الخاص

ولا يدري ما هو وإذا قال الأمير‏:‏ من جاء بعشرة أثواب فله ثوب‏.‏

فجاء بعشرة أثواب مختلفة الأجناس فله عشر كل ثوب منها لأنه أوجب له بالتنفيل عشر ما يأتي به‏.‏

فإن معنى كلامه‏:‏ فله ثوب منها وإن لم ينص عليه‏.‏

وهذا لا وجه لتصحيح كلامه إلا هذا فإن إيجاب الثوب مطلقاً لا يصح في شيء من العقود لاختلاف أجناس الثياب ثم ليس بعض الأثواب بأن يجعل له نفلاً بأولى من البعض والثياب إذا كانت مختلفة الأجناس لا تقسم قسمة واحدة فلهذا كان له عشر كل ثوب منها‏.‏

وكذلك لو قال‏:‏ من جاء بثلاثة من الدواب فله دابة لأن هذا الاسم يتناول الأجناس المختلفة كالثياب‏.‏

ولو جاء بالكل من جنس واحد فله واحد منها وسط لأن الجنس الواحد محتمل للقسمة‏.‏

وعلى الأمير أن يراعي النظر للغانمين ولمن جاء به وتمام النظر في أن يعطيه الوسط مما جاء به‏.‏

ولو قال‏:‏ من جاء بدابة فله ثلثها فجاء ببقرة أو جاموس أو بعير لم يكن من ذلك شيء لأن اسم الدابة لا يتناول إلا الحمار والفرس والبغل استحساناً‏.‏

ألا ترى أنه لو حلف لا يركب دابة لا يتناول يمينه غير هذه الأنواع الثلاثة وحقيقة اللفظ هاهنا غير معتبر بلا شبهة‏.‏

فإن أحداً لا يقول لو جاء بجارية يستحق النفل منها‏.‏

واسم الدابة يتناولها في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا‏}‏ فعرفنا أنه إنما يبنى هذا على معاني كلام الناس‏.‏

فإن كان القوم في موضع دوابهم الجواميس أو البقر إياها يركبون وإياها يسمون الدواب فهو على ما يتعارفونه‏.‏

فأما في ديارنا فالدواب هي الخيل والبغال والحمير‏.‏

ولو قال الأمير‏:‏ من أصاب جزورة فهي له‏.‏

فجاء رجل بجزور أو بقرة لم يكن له من ذلك شيء وإن جاء بشاة ماعز أو ضأن فهي له لأن هذا الاسم وإن كان حقيقة في كل ما يجزر لكن الناس اعتادوا استعماله في الغنم خاصة فإن الواحد منهم إذا قال لغيره‏:‏ اجزرني من نعمك فإنما يفهم منه سؤال الشاة دون الإبل والبقر‏.‏

ولو قال‏:‏ من جاء بجزور فهو له لم يستحق بهذا اللفظ البقر والغنم وإنما يستحق الإبل خاصة‏.‏

وإن كان كل ذلك مما يجزر ولكن اسم الجزور لا يستعمل إلا في الإبل‏.‏

ثم في القياس‏:‏ إذا جاء ببعير قد ركب أو ناقة قد ركبت لم يستحق منها شيئاً لأن الجزور اسم لما يكون معداً من هذا النوع للكر دون الركوب‏.‏

وإنما ذلك قبل أن يركب‏.‏

فأما ما ركب فهو لا ينحر للأكل عادة بعد ذلك‏.‏

وفي الاستحسان‏:‏ له النفل إذا جاء بذلك كله لأن الاسم يطلق استعمالاً على ذلك كله في العرف‏.‏

ولو قال‏:‏ من جاء ببعير أو جمل فهو له فجاء ببختي فهو له لأن الاسم يتناول الكل‏.‏

بخلاف ما لو قال‏:‏ من جاء ببختي أو بختية فجاء بجمل عربي أو ناقة لأن البختي اسم خاص لجمال العجم فلا يتناول العربي‏.‏

كما أن اسم العجمي في التنفيل لا يتناول العربي واسم البختي يتناول الذكر والأنثى كما أ اسم الجمل يتناول الذكر والأنثى من الإبل العربي واسم البقر في التنفيل لا يتناول الجاموس فكان ينبغي على هذا القياس أن يتناوله لأنه اسم جنس‏.‏

ألا ترى أنه يكمل نصاب البقر به في الزكاة وأنه يتناول قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة ‏"‏ لكنه اعتبر العرف‏.‏

وفي العرف ينفى عن الجاموس اسم البقر ولا يطلق عليه هذا الاسم إلا مقيداً كما يقال بالفارسية كاؤميش بخلاف اسم البعير والجمل فإنه يطلق على البختير في كل لسان‏.‏

ولو قال‏:‏ من جاء بشاة فهي له‏.‏

فذلك يتناول الذكر والأنثى معزاً كان أو ضاناً وكان ينبغي على هذا القياس أن لا يدخل فيه الماعز لأنه يختص باسم آخر وينفي عنه اسم الشاة كما في الجاموس ولكن اعتبر فيه معنى أخرى وهو أنه يخلط البعض بالبعض عادة‏.‏

ويعد الكل شيئاً واحداً فيطلق اسم الشاة والغنم على الكل وهذا الوجه بخلاف الجواميس‏.‏

واسم الكبش والتيس لا يتناول النعجة لأنه اسم نوع خاص واسم الدجاج يتناول باكرت حاجتها الدجاج بسحرة لأعل منها حين هب نيامها وقال آخر‏:‏ لما مررت بدير الهند أرقني صوت الدجاج وضرب بالنواقيس فأما اسم الدجاجة فلا يتناول الديك واسم الديك لا يتناول الدجاجة أيضاً وقد بينا هذا في أيمان الجامع فيما إذا قال‏:‏ لا آكل لحم دجاج‏.‏

فأكل لحم ديك حنث ولو عقد اليمين باسم الدجاجة لم يحنث‏.‏

ولو عقد اليمين باسم الديك لم يحنث إذا أكل دجاجة‏.‏

لحكم التنفيل في قياس اليمين‏.‏

والله أعلم‏.‏

  باب من التنفيل في العسكرين يلتقيان

وإذا دخل العسكران من المسلمين أرض الحرب من طريقين فبعث أمير كل عسكر سرية ونفل لهم الثلث أو الربع‏.‏

فالتقت السريتان عند حصن وأصابوا الغنائم ثم أرادوا أن يتفرقوا حتى ترجع كل سرية إلى عسكرهم‏.‏

فإن الغنيمة تقسم بينهم على سهام الغنيمة‏.‏

كأنه لا نفل فيها ولا مستحق لها سواهم لأن كل أمير إنما نفل سريته مما أصابت ولا يتبين مصاب كل سرية إلا بالقسمة‏.‏

فلهذا يقسم بين السريتين على سهام الخيل والرجالة من غير أن يرفع الخمس أولاً‏.‏

إذ ليست إحدى السريتين بأن تذهب بالخمس بأولى من الأخرى ثم ترجع كل سرية بما أصابها من القسمة إلى العسكر فيعطيهم أميرهم النفل من ذلك ويضم ما بقي إلى غنائمهم‏.‏

فيخرج الخمس منها ويقسم ما بقي بين السرية وأهل العسكر‏.‏

حتى إذا كانت إحدى السريتين ثمانمائة‏:‏ أربعمائة فرسان وأربعمائة رجالة والسرية الأخرى أربعمائة‏:‏ مائة فرسان وثلاثمائة رجالة‏.‏

فإنما يقسم المصاب في الابتداء على خمس مائة فرسان وسبع مائة رجالة‏.‏

ثم ما أصاب الفرسان يقسم أخماساً‏:‏ خمس ذلك للسرية التي هي قليلة العدد وأربعة أخماسه للسرية الأخرى‏.‏

وما أصاب الرجالة يقسم أسباعاً‏:‏ ثلاثة أسباعه للقليلة وأربعة أسباعه للأخرى‏.‏

فبهذا الطريق يتبين حصة كل سرية من المصاب‏.‏

ويستوي في هذا الحكم إن كان الأميران كل واحد منهما نفل لسريته أو لم ينفل واحد منهما أو نفل أحدهما دون الآخر لأن تنفيل كل أمير لا يجوز فيما هو حصة السرية الأخرى‏.‏

فإنهم من أهل العسكر لا ولاية له عليهم‏.‏

والله أعلم‏.‏