فصل: فصل في حصول الغيبة بسوء الظن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر منهاج القاصدين (نسخة منقحة)



.فصل في رياضة الصبيان في أول النشوء:

اعلم أن الصبي أمانة عند والديه، وقلبه جوهرة ساذجة، وهى قابلة لكل نقش، فإن عود الخير نشأ عليه وشاركه أبواه ومؤدبه في ثوابه، وإن عود الشر نشأ عليه، وكان الوزر في عنق وليه، فينبغي أن يصونه ويؤدبه ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء، ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه أسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر. بل ينبغي أن يراقبه من أول عمره، فلا يستعمل في رضاعة وحضانته إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، فإذا بدت فيه مخايل التمييز وأولها الحياء، وذلك علامة النجابة وهى مبشرة بكمال العقل عند البلوغ، فهذا يستعان على تأديبه بحيائه. وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام، فينبغي أن يعلم آداب الأكل، ويعوده أكل الخبز وحده في بعض الأوقات لئلا يألف الإدام فيراه كالحتم، ويقبح عنده كثرة الأكل، بأن يشبه الكثير الأكل بالبهائم، ويحبب إليه الثياب البيض دون الملونة والإبريسم ويقرر عنده أن ذلك من شأن النساء والمخنثين، ويمنعه من مخالطة الصبيان الذين عودوا التنعم، ثم يشغله في المكتب بتعليم القرآن والحديث وأحاديث الأخبار، ليغرس في قلبه حب الصالحين، ولا يحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق.
ومتى ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمول، فينبغي أن يكرم عليه، ويجازى بما يفرح به، ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال تغوفل عنه ولا يكاشف، فإن عاد عوتب سراً وخوف من اطلاع الناس عليه، ولا يكثر عليه العتاب، لأن ذلك يهون عليه سماع الملامة، وليكن حافظاً هيبة الكلام معه. وينبغي للأم أن تخوفه بالأب، وينبغي أن يمنع النوم نهاراً، فإنه يورث الكسل، ولا يمنع النوم ليلاً ولكنه يمنع الفرش الوطيئة لتتصلب أعضاؤه.
ويتعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم. ويعود المشي والحركة والرياضة لئلا يغلب عليه الكسل. ويمنع أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه أبواه، أو بمطعمه أو ملبسه. ويعود التواضع والإكرام لمن يعاشره. ويمنع أن يأخذ شيئا من صبى مثله، ويعلم أن الأخذ دناءة، وأن الرفعة في الإعطاء. ويقبح عنده حب الذهب والفضة. ويعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يتمخط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، ولا يضع رجلا على رجل، ويمنع من كثرة الكلام. ويعود أن لا يتكلم إلا جواباً، وأن يحسن الاستماع إذا تكلم غيره ممن هو أكبر منه، وأن يقوم لمن هو فوقه ويجلس بين يديه.
ويمنع من فحش الكلام، ومن مخالطة من يفعل ذلك، فإن أصل حفظ الصبيان حفظهم من قرناء السوء. ويحسن أن يفسح له بعد خروجه من المكتب في لعب جميل، ليستريح به من تعب التأديب، كما قيل: روح القلوب تع الذكر. وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه وتعظيمهم. وإذا بلغ سبع سنين أمر بالصلاة، ولم يسامح في ترك الطهارة ليتعود، ويخوف من الكذب والخيانة، وإذا قارب البلوغ، ألقيت إليه الأمور.
واعلم أن الأطعمة أدوية، والمقصود منها تقوية البدن على طاعة الله تعالى، وأن الدنيا لا بقاء لها، وأن الموت يقطع نعيمها، وهو منتظر في كل ساعة، وأن العاقل من تزود لآخرته، فإن كان نشوؤه صالحاً ثبت هذا في قلبه، كما يثبت النقش في الحجر. قال سهل بن عبد الله: كنت ابن ثلاث سنين، وأنا أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار، فقال لي خالي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ قلت: كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك ثلاث مرات من غير أن تحرك لسانك: الله معي، الله ناظر إلى، الله شاهدي، فقلت ذلك ليالي، ثم أعلمته، فقال: قلها في كل ليلة إحدى عشر مرة.
فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد سنة، قال لي خالي: احفظ ما علمتك، ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فلم أزل على ذلك سنين فوجدت له حلاوة في سري ثم قال لي خالي: يا سهل من كان الله معه، وهو ناظر إليه، وشاهد عليه، هل يعصيه؟ إياك والمعصية ومضيت إلى المكتب، وحفظت القرآن، وأنا ابن ست سنين أو سبع، ثم كنت أصوم الدهر، وقوتي من خبز الشعير، ثم بعد لك كنت أقوم الليل كله.

.فصل في شروط الرياضة:

واعلم أن من شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين، أصبح بالضرورة مريداً لها، زاهداً في الدنيا، فإن من كان معه خرزة، فرأى جوهرة نفيسة، لم يبق له رغبة في الخرزة، فإذا قيل له: بعها بالجوهرة، أسرع في ذلك.
واعلم أن من رزقه الله تعالى الانتباه لذلك، فإن عليه لسلوك الرياضة شرطاً لابد من تقديمه، ومعتصماً لابد من التمسك به، وحصناً لابد من التحصن به. فأما الشرط، فهو رفع الحجاب بترك الذنوب. وأما المعتصم، فشيخ يدله على الطريق لئلا تختطفه الشياطين في السبل. وأما الحصن، فالخلوة، وعليه من الوظائف مخالفه الهوى، وكثرة الذكر والاقتصاد في الأوراد. ومنتهى الرياضة أن يجد قلبه مع الله أبداً، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخلو عن غيره، ولا يخلو إلا بطول المجاهد، فهذا منهاج رياضة المريد وترتيبه في التدريج، فأما تفصيل الرياضة في كل صفحه، فسيأتي إن شاء الله تعالى.

.كتاب كسر الشهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج:

شهوة البطن من أعظم المهلكات، وبها أُخرج آدم عليه السلام من الجنة، ومن شهوة البطن تحدث شهوة الفرج والرغبة في المال، ويتبع ذلك آفات كثيرة، كلها من بطر الشبع. وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «المؤمن يأكل في معيً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء». وفي حديث أخر: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، حسب ابن أدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشربه، وثلث لنفسه».
وقال عقبة الراسبي: دخلت على الحسن وهو يتغذى، فقال: هلم، فقلت: أكلت حتى لا أستطيع، فقال: سبحان الله أو يأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل؟. ‍‍‍وقد بالغ جماعة من الزهاد في التقلل من الأكل والصبر على الجوع، وقد بينا عيب ما سلكوا في غير هذا الكتاب، ومقام العدل في الأكل رفع اليدين مع بقاء شيء من الشهوة، ونهاية المقام الحسن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». فالأكل ‍‍في مقام العدل يصح البدن وينفى المرضى، وذلك أن يتناول الطعام حتى يشتهيه، ثم يرفع يده وهو يشتهيه، والدوام على التقلل من الطعام يضعف القوى، وقد قلل أقوام مطاعمهم حتى قصروا عن الفرائض، وظنوا بجهلهم أن ذلك فضيلة، وليس كذلك، ومن مدح الجوع، فإنما أشار إلى الحالة المتوسطة التي ذكرناها. وطريق الرياضة في كسر شهوة البطن أن من تعود استدامة الشبع، فينبغي له أن يقلل من مطعمه يسيراً مع الزمان، إلى أن يقف على حد التوسط الذي أشرنا إليه، وخير الأمور أوساطها، فالأولى تناول مالا يمنع من العبادات، ويكون سبباً لبقاء القوة، فلا يحس المتناول بجوع ولا شبع، فحينئذ يصح البدن، وتجتمع الهمة، ويصفو الفكر، ومتى زاد في الأكل أورثه كثرة النوم، وبلادة الذهن، وذلك بتكثير البخار في الدماغ حتى يغطى مكان الفكر، وموضع الذكر، ويجلب أمراضاً أخر. وليحذر من ترك شيئاً من الشهوات أن تتطرق إليه آفة الرياء، وقد كان بعضهم يشترى الشهوة ويعلقها في بيته وهو زاهد فيها، يستر بها زهده، وهذا هو نهاية الزهد، الزهد في الزهد بإظهار ضده، وهو عمل الصديقين، لأنه يجرع نفسه كأس الصبر مرتين، والثانية أمر. وأما شهوة الفرج، فاعلم أن شهوة الوقاع سلطت على الآدمي لفائدتين: إحداهما: بقاء النسل، والثانية ليدرج لذة يقيس عليها لذات الآخرة، فإن ما لم يدرك جنسه بالذوق، لا يعظم إليه الشوق، إلا أنه إذ لم ترد هذه الشهوة إلى الاعتدال، جلبت آفات كثيرة، ومحناً، ولولا ذلك ما كان النساء حبائل الشيطان. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما تركت في الناس بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء». وقال بعض الصالحين: لو ائتمنني رجل على بيت مال، لظننت أن أودى إليه الأمانة، ولو ائتمنني على زنجية أخلو بها ساعة واحدة، ما ائتمنت نفسي عليها. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يخلو رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان». وقد ينتهي الإفراط في هذه الشهوة، حتى تصرف همة الرجل إلى كثرة التمتع بالنساء فيشغله عن ذكر الآخرة، وربما آل إلى الفواحش، وقد تنتهي بصاحبها إلى العشق، وهو أقبح الشهوات، وأجدرها أن تستحيي منه، وقد يقع عند كثير من الناس عشق المال، والجاه، واللعب بالنرد، والشطرنج، والطنبور، ونحو ذلك، فتستولي هذه الأشياء على القلوب فلا يصبرون عنها. ويسهل الاحتراز عن ذلك في بدايات الأمور، فإن آخرها يفتقر إلى علاج شديد، وقد لا ينجح، ومثاله من يصرف عنان الدابة عند توجهها إلى باب تريد دخوله، فما أهون منعها يصرف عنانها، ومثال من يعالجه بعد استحكامه، مثال من يتركها حتى تدخل الباب وتجاوزه، ثم يأخذ بذنبها يجرها إلى وراء، وما أعظم التفاوت بين الأمرين.

.كتاب آفات اللسان:

آفاته كثيرة ومتنوعة، ولها في القلب حلاوة، ولها بواعث من الطبع، ولا نجاة من خطرها إلا بالصمت، فلنذكر أولاً فضيلة الصمت، ثم نتبعه الآفات مفصلة إن شاء الله تعالى. اعلم أن الصمت يجمع الهمة ويفرغ الفكر. وفي الحديث، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة». وفي حديث آخر: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» وفي حديث معاذ في آخره: «كف عليك هذا» فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟». وفي حديث آخر: «من كف لسانه ستر الله عورته» وقال ابن مسعود: ما شيء أحوج إلى طول سجن من لساني. وقال أبو الدرداء: أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعلت لك أذنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تتكلم به. وقال مخلد بن الحسين: ما تكلمت منذ خمسين سنة بكلمة أريد أن أعتذر منها.

.ذكر آفات الكلام:

الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعنى.
واعلم أن من عرف قدر زمانه، وأنه رأس ماله، لم ينفقه إلا في فائدة، وهذه المعرفة توجب حبس اللسان عن الكلام فيما لا يعنى، لأنه من ترك الله تعالى واشتغل فيما لا يعنى، كان كمن قدر على أخذ جوهرة، فأخذ عوضها مدرة، وهذا خسران العمر. وفي الحديث الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من حسن إسلام المرء تركه مالا يعينه». وقيل للقمان الحكيم: ما بلغ من حكمتك؟ قال: لا أسأل عما كفيته، ولا أتكلم بما لا يعنيني. وقد روى أنه دخل على دواء عليه السلام وهو يسرد درعاً، فجعل يتعجب مما رأى، فأراد أن يسأله عن ذلك، فمنعته حكمته فأمسك، فلما فرغ داود عليه السلام، قام ولبس الدرع ثم قال: نعم الدرع للحرب. فقال لقمان: الصمت حكم وقليل فاعله.
الآفة الثانية: الخوض في الباطل، وهو الكلام في المعاصي، كذكر مجالس الخمر، ومقامات الفساق. وأنواع الباطل كثيرة. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» وقريب من ذلك الجدال والمراء وهو كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطة وإفحامه، والباعث على ذلك الترفع.
فينبغي للإنسان أن ينكر المنكر من القول، ويبين الصواب، فإن قبل منه وإلا ترك المماراة، هذا إذا كان الأمر معلقاً بالدين، فأما إذا كان في أمور الدنيا، فلا وجه للمجادلة فيه، وعلاج هذه الآفة بكسر الكبر الباعث على إظهار الفضل، وأعظم من المراء الخصومة، فإنها أمر زائد على المراء. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم». وهذه الخصومة نعنى بها الخصومة بالباطل أو بغير علم، فأما من له حق فالأولى أن يصدف عن الخصومة، مهما أمكن لأنها، توغر الصدر، وتهيج الغضب الغضب، وتورث الحقد، وتخرج إلى تناول العرض.
الآفة الثالثة: التقعر في الكلام، وذلك يكون بالتشدق وتكلف السجع. وعن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أبغضكم إلى وأبعدكم منى يوم القيامة مساويكم أخلاقاً الثرثارون المتشدقون المتفيهقون». ولا يدخل في كراهة السجع والتصنع ألفاظ الخطيب، والتذكير من غير إفراط، ولا إغراب، لأن المقصود من ذلك تحريك القلوب، وتشويقها، ورشاقة اللفظ ونحو ذلك.
الآفة الرابعة: الفحش والسب والبذاء ونحو ذلك، فإنه مذموم منهي عنه، ومصدره الخبث واللؤم. وفي الحديث: «إياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش». «الجنة حرام على كل فاحش».
وفي حديث آخر: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». واعلم أن الفحش والبذاء هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة، وأكثر ما يكون ذلك في ألفاظ الجماع وما يتعلق به، فإن أهل الخير يتحاشون عن تلك العبارات ويكنون عنها. ومن الآفات: الغناء وقد سبق فيه كلام في غير هذا الموضوع.
الآفة الخامسة: المزاح، أما اليسير منه، فلا ينهى عنه إذا كان صدقاً.
فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقاً، فإنه قال لرجل: «يا ذا الأذنين»، وقال لآخر: «إنا حاملوك على ولد الناقة»، وقال للعجوز: «إنه لا يدخل الجنة عجوز» ثم قرأ: {إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً} [الواقعة: 35-36]، وقال لأخرى: «زوجك الذي في عينيه بياض؟». فقد اتفق في مزاحه صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أشياء:
أحدها: كونه حقاً.
والثاني: كونه مع النساء والصبيان، ومن يحتاج إلى تأديبه من ضعفاء الرجال.
والثالث: كونه نادراً، فلا ينبغي أن يحتج به من يريد الدوام عليه، فان حكم النادر ليس كحكم الدائم، ولو أن إنساناً دار مع الحبشة ليلاً ونهاراً ينظر إلي لعبهم واحتج بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقف لعائشة وأذان لها أن تنظر إلى الحبشة، لكان غالطاً، لندور ذلك، فالإفراط في المزاح والمداومة عليه منهي عنه، لأنه يسقط الوقار، ويوجب الضغائن والأحقاد، وأما اليسير كما تقدم، من نحو نوع مزاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن فيه انبساطاً وطيب نفس.
الآفة السادسة: السخرية والاستهزاء، ومعنى السخرية: الاحتقار والاستهانة، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالشارة والإيماء، وكله ممنوع منه في الشرع، ورد النهى عنه في الكتاب والسنة.
الآفة السابعة: إفشاء السر، وإخلاف الوعد والكذب في القول واليمين، وكل ذلك منهي عنه، إلا ما رخص فيه من الكذب لزوجته، وفي الحرب فإن ذلك يباح وضابطه أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب، فهو فيه مباح إن كان هذا المقصود مباحاً. وإن كان المقصود واجباً، فهو واجب، فينبغي أن يحترز عن الكذب مهما أمكن. وتباح المعاريض، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن في المعاريض مندوحة عن الكذب» وإنما تصلح المعاريض عند الحاجة إليها، فأما مع غير الحاجة، فمكروهة لأنها تشبه الكذب. فمن المعاريض ما روينا عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أنه أصاب جارية له، فعلمت امرأته، فأخذت شفرة، ثم أتت فوافقته قد قام عنها، فقالت: أفعلتها؟ فقال: ما فعلت شيئاً، قالت، لتقرأن القرآن أو لأبعجنك بها، فقال رضي الله عنه:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ** إذا انشق معروف من الفجر ساطع

يبيت يجافى جنبه عن فراشه إذا ** استثقلت بالكافرين المضاجع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ** به موقنات أن ما قال واقع

قالت: آمنت بالله وكذبت بصري. وكان النخعي إذا طلب قال للجارية: قولي لهم: اطلبوه في المسجد.
الآفة الثامنة: الغيبة، وقد ورد الكتاب العزيز بالنهى عنها، وشبه صاحبها بآكل الميتة. وفي الحديث: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام». وعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته». وفي حديث آخر: «إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا، وإن الرجل قد يزنى ويشرب، ثم يتوب ويتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر الله له حتى يغفر صاحبه» وقال على بن الحسين رضي الله عنهما: إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب الناس والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة مشهورة.
ومعنى الغيبة: أن تذكر أخاك الغائب بما يكره إذا بلغه، سواء كان نقصاً في بدنه، كالعمش، والعورة، والحول، والقرع، والطول، والقصر، ونحو ذلك. أو في نسبه، كقولك: أبوه نبطي، أو هندي أو فاسق، أو خسيس، ونحو ذلك. أو في خلقه كقولك، هو سيء الخلق بخيل متكبر ونحو ذلك. أو في ثوبه، كقولك: هو طويل الذيل، واسع الكم، وسخ الثياب. والدليل على ذلك، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الغيبة قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول يا رسول الله؟ قال: «إن كان في أخاك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته». واعلم أن كل ما يفهم منه مقصود الذم، فهو داخل في الغيبة، سواء كان بكلام أو بغيره، كالغمز، والإشارة والكتابة بالقلم، فإن القلم أحد اللسانين. وأقبح أنواع الغيبة، غيبة المتزهدين المرائين، مثل أن يذكر عندهم إنسان فيقولون: الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان، والتبذل في طلب الحطام، أو يقولون: نعوذ بالله من قلة الحياء، أو نسأل الله العافية، فإنهم يجمعون بين ذم المذكور ومدح أنفسهم. وربما قالا أحدهم عند ذكر إنسان: ذاك المسكين قد بلى بآفة عظيمة، تاب الله علينا وعليه، فهو يظهر الدعاء ويخفى قصده. واعلم أن المستمع للغيبة شريك فيها، ولا يتخلص من إثم سماعها إلا أن ينكر بلسانه، فإن خاف فبقلبه وإن قدر على القيام، أو قطع الكلام بكلام آخر، لزمه ذلك. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من أذل عنده مؤمن وهو يقدر أن ينصره أذله الله عز وجل على رؤوس الخلائق» وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من حمى مؤمناً من منافق يعيبه، بعث الله ملكاً يحمى لحمه يوم القيامة من نار جهنم» ورأى عمر بن عتبة مولاه مع رجل وهو يقع في آخر، فقال له: ويلك نزه سمعك عن استماع الخنا كما تنزه نفسك عن القول به، فالمستمع شريك القائل، إنما نظر إلى شر ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو ردت كلمة سفيه في فيه لسعد بها رادها كما شقي بها قائلها. وقد وردت أحاديث في حق المسلم على المسلم، تقدمت في كتاب الصحبة.

.فصل في بيان الأسباب الباعثة على الغيبة وذكر علاجها:

أما الأسباب التي تبعث على الغيبة فكثيرة. منها: تشفى الغيظ، بأن يجرى من إنسان في حق آخر سبب يوجب غيظه، فكلما هاج غضبه تشفى بغيبة صاحبه.
السبب الثاني: من البواعث على الغيبة موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم، فإنهم إذا كانوا يتفكهون في الأعراض، رأى هذا أنه إذا أنكر عليهم أو قطع كلامهم استثقلوه ونفروا عنه، فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة.
الثالث: إرادة رفع نفسه بتنقيص غيره، فيقول: فلان جاهل، وفهمه ركيك، ونحو ذلك، غرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه، ويريهم أنه أعلم منه. وكذلك الحسد في ثناء الناس على شخص وحبهم له وإكرامهم، فيقدح فيه ليقصد زوال ذلك.
الرابع: اللعب والهزل، فيذكر غيره بما يضحك الناس به على سبيل المحاكاة، حتى إن بعض الناس يكون كسبه من هذا.
وأما علاج الغيبة، فليعلم المغتاب أنه بالغيبة متعرض لسخط الله تعالى ومقته، وأن حسناته تنقل إلى المغتاب إليه، وإن لم يكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه، فمن استحضر ذلك لم يطلق لسانه بالغيبة. وينبغي إذا عرضت له الغيبة أن يتفكر في عيوب نفسه، ويشتغل بإصلاحها، ويستحي أن يعيب وهو معيب، كما قال بعضهم:
فإن عبت قوماً بالذي فيك مثله ** فكيف يعيب الناس من هو أعور

وإذا عبت قوماً بالذي ليس فيهم ** فذلك عند الله والناس أكبر

وإن ظن أنه سليم من العيوب، فليتشاغل بالشكر على نعم الله عليه، ولا يلوث نفسه بأقبح العيوب وهو الغيبة، وكما لا يرضى لنفسه بغيبة غيره له، فينبغي أن لا يرضاها لغيره من نفسه. فلينظر في السبب الباعث على الغيبة، فيجتهد على قطع، فإن علاج العلة يكون بقطع سببها. وقد ذكرنا بعض أسبابها، فيعالج الغضب بما سيأتي في كتاب الغضب، ويعالج موافقة الجلاس بأن يعلم أن الله تعالى يغضب على من طلب رضي المخلوقين بسخطه، بل ينبغي أن يغضب على رفقائه، وعلى نحو هذا معالجة البواقي.

.فصل في حصول الغيبة بسوء الظن:

وقد تحصل الغيبة بالقلب، وذلك سوء الظن بالمسلمين. والظن ما تركن إليه النفس ويميل القلب، فليس لك أن تظن بالمسلم شراً، إلا إذا انكشف أمر لا يحتمل التأويل فإن أخبرك بذلك عدل، فمال قلبك إلى تصديقه، كنت معذوراً، لأنك لو كذبته كنت قد أسأت الظن بالمخبر، فلا ينبغي أن تحسن الظن بواحد وتسيئه بآخر، بل ينبغي أن تبحث، هل بينهما عداوة وحسد؟ فتتطرق التهمة حينئذ بسبب ذلك، ومتى خطر لك خاطر سوء على مسلم، فينبغي أن تزيد في مراعاته وتدعو له بالخير، فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك، فلا يلقى إليك خاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة. وإذا تحققت هفوة مسلم، فانصحه في السر. واعلم أن من ثمرات سوء الظن التجسس، فان القلب لا يقنع بالظن، بل يطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس، وذلك منهي عنه، لأنه يوصل إلى هتك ستر المسلم، ولو لم ينكشف لك، كان قلبك أسلم للمسلم.

.بيان الأعذار المرخصة في الغيبة وكفارة الغيبة:

اعلم أن المرخص في ذكر مساوئ الغير، وهو غرض صحيح في الشرع، لا يمكن التوصل إليه إلا به، وذلك يدفع إثم الغيبة، وهو أمور:
أحدها التظلم، فإن للمظلوم أن يذكر الظالم إذا استدعاه إلى من يستوفي حقه.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد الظالم إلى منهاج الصلاح.
الثالث: الاستفتاء، مثل أن يقول للمفتى ظلمني فلان، أو أخذ حقي، فكيف طريقي في الخلاص، فالتعيين مباح، والأولى التعريض، وهو أن يقول: ما تقول في رجل ظلمه أبوه أو أخوه ونحو ذلك؟ والدليل على إباحة التعيين حديث هند حين قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح ولم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الأمر الرابع: تحذير المسلمين، مثل أن ترى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق، وتخاف أن يتعدى إليه ذلك، فلك أن تكشف له الحال. وكذلك إذا عرفت من عبدك السرقة أو الفسق، فتذكر ذلك للمشترى. وكذلك المستشار في التزويج أو إيداع الأمانة، له أن يذكر ما يعرفه على قصد النصح للمستشير، لا على قصد الوقيعة، إذا علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح.
الخامس: أن يكون معروفاً بلقب، كالأعرج، والأعمش، فلا إثم على من يذكره به، وإن وجد عن ذلك معدلاً كان أولى.
السادس: أن يكون مجاهراً بالفسق، ولا يستنكف أن يذكر به.
وقد روى عن النبي صلى اله عليه وآله وسلم أنه قال: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له» وقيل للحسن: الفاجر المعلن بفجوره، ذكرى له بما فيه غيبة: قال: لا، ولا كرامة.
وأما كفارة الغيبة، فاعلم أن المغتاب قد جنى جنايتين:
إحداهما: على حق الله تعالى، إذ فعل ما نهاه عنه، فكفارة ذلك التوبة والندم.
والجناية الثانية: على محارم المخلوق، فان كانت الغيبة قد بلغت الرجل، جاء إليه واستحله واظهر له الندم على فعله وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه، من مال أو عرض، فليأته فليستحلها منه قبل أن يؤخذ وليس عنده درهم ولا دينار، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته فأعطيها هذا، وإلا أخذ من سيئات هذا فألقى عليه». وإن كانت الغيبة لم تبلغ الرجل، جعل مكان استحلاله الاستغفار له، لئلا يخبره بما لا يعلمه، فيوغر صدره. وقد ورد في الحديث: «كفارة من اغتبت أن تستغفر له» وقال مجاهد: كفارة أكلك لحم أخيك أن تثنى عليه وتدعو له بخير، وكذلك إن كان قد مات.
الآفة التاسعة: من آفات اللسان النميمة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يدخل الجنة قتات» وهو النمام. واعلم أن النميمة تطلق في الغالب على نقل قول إنسان في إنسان، مثل أن يقول: قال فيك فلان كذا وكذا، وليست مخصوصة بهذا، بل حدها كشف ما يكره كشفه، سواء كان من الأقوال أو الأعمال، حتى لو رآه يدفن مالاً لنفسه فذكره فهو نميمة وكل من نقلت إليه النميمة، مثل أن يقال له: قال فيك فلان كذا وكذا أو فعل في حقك كذا، ونحو ذلك فعليه ستة أشياء:
الأول: أن لا يصدق الناقل، لأن النمام فاسق مردود الشهادة.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه.
الثالث أن يبغضه في الله، فإنه بغيض عند الله.
الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء.
الخامس: أن لا يحمله ما حكي له على التجسس والبحث، لقوله تعالى: {ولا تجسسوا} [الحجرات: 12].
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكى نميمته. ويروى أن سليمان بن عبد الملك قال لرجل: بلغني أنك وقعت فيّ، وقلت كذا وكذا. فقال الرجل: ما فعلت، فقال سليمان: صدقت، اذهب بسلام. وقال يحيى بن أبي كثير: يفسد النمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في شهر. وقد حكي أن رجلا ساوم بعبد، فقال مولاه: إني أبرأ منك من النميمة والكذب، فقال: نعم، أنت برئ منهما، فاشتراه. فجعل يقول لمولاه إن امرأتك تبغي وتفعل، وإنها تريد أن تقتلك، ويقول للمرأة: إن زوجك يريد أن يتزوج عليك ويتسرى، فان أردت أن أعطفه عليك، فلا يتزوج ولا يتسرى، فخذ الموسى واحلقي شعرة من حلقه إذا نام، وقال للزوج: إنها تريد أن تقتلك إذا نمت. قال فذهب فتناوم لها، فجاءت بموسى لتحلق شعرة من حلقه، فأخذ بيدها فقتلها، فجاء أهلها فاستعدوا عليه فقتلوه.
الآفة العاشرة: كلام ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعادين، وينقل كلام كل واحد إلى الآخر، ويكلم كل واحد بكلام يوافقه، أو يعده أنه ينصره، أو يثنى على الواحد في وجهه ويذمه عند الأخر. وفي الحديث: «إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه». واعلم أن هذا فيمن لم يضطر إلى ذلك، فأما إذا اضطر إلى مداراة الأمراء جاز. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إنا لنكشر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم. ومتى قدر أن لا يظهر موافقتهم لم يجز له.
الآفة الحادية عشرة: المدح، وله آفات:
منها: ما يتعلق بالمادح، ومنها: ما يتعلق بالممدوح. فأما آفات المادح، فقد يقول مالا يتحققه، ولا سبيل للاطلاع عليه، مثل أن يقول: إنه ورع وزاهد، وقد يفرط في المدح فينتهي إلى الكذب، وقد يمدح من ينبغي لأن يذم. وقد روى في حديث: «إن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق» وقال الحسن: من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله. وأما الممدوح، فإنه يحدث فيه كبراً أو إعجاباً، وهما مهلكان ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع رجلاً يمدح رجلاً: «ويلك، قطعت عنق صاحبك».. الحديث وهو مشهور. وقد رُوِّينا عن الحسن قال كان عمر رضي الله عنه قاعداً ومعه الدرة والناس حوله، إذ أقبل الجارود، فقال رجل: هذا سيد ربيعة، فسمعها عمر رضي الله عنه ومن حوله، وسمعها الجارود، فلما دنا منه خفقه بالدرة، فقال: مالي ولك يا أمير المؤمنين؟ قال: مالي ولك، أما سمعتها؟ قال: سمعتها، فمه؟ قال: خشيت أن يخالط قلبك منها شيء فأحببت أن أطأطئ منك.
ولأن الإنسان إذا أثنى عليه بالخير رضي عن نفسه، وظن أنه قد بلغ المقصود، فيفتر عن العمل، ولهذا قال:. فأما إذا سلم المدح من هذه الآفات لم يكن به بأس، فقد أثنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم. وعلى الممدوح أن يكون شديد الاحتراز من آفة الكبر والعجب والفتور عن العمل، ولا ينجو من هذه الآفات إلا أن يعرف نفسه، ويتفكر في أن المادح لو عرف منه ما يعرف من نفسه ما مدحه. وقد روى أن رجلاً من الصالحين أثنى عليه، فقال: اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني وأنت تعرفني.
الآفة الثانية عشرة: الخطأ في فحوى الكلام فيما يرتبط في أمور الدين، لاسيما فيما يتعلق بالله تعالى، ولا يقدر على تقويم اللفظ بذلك إلا العلماء الفصحاء، فمن قصر في علم أو فصاحة، لم يخل كلامه عن الزلل، لكن يعفو الله عنه لجهله. مثال ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: «لا يقل أحدكم: ما شاء الله شئت، ولكن ليقل، ما شاء الله ثم شئت» وذلك لأن في العطف المطلق تشريكاً وتسوية، وقريب من ذلك إنكاره على الخطيب قوله: ومن يعصهما فقد غوى وقال: «ومن يعص الله ورسوله». وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل، غلامي وجاريتي». وقال النخعي: إذا قال الرجل للرجل: يا حمار، يا خنزير، قيل له يوم القيامة: أرأيتني خلقته حماراً، أو أرأيتني خلقته خنزيراً. فهذا وأمثاله مما يدخل في الكلام، ولا يمكن حصره، ومن تأمل ما أوردناه في آفات اللسان، علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم، وعند ذلك يعرف سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من صمت نجا»، لأن هذه الآفات مهالك وهى على طريق المتكلم، فإن سكت سلم.